النويري
229
نهاية الأرب في فنون الأدب
ورددت القول في نحورهم حين قالوا : إنه ينتظر الوحي ، ويتوكَّف « 1 » مناجاة الملك ، فقلت : ذلك أمر طواه اللَّه تعالى بعد نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، أكان الأمر معقودا بأنشوطة « 2 » ، أو مشدودا بأطراف ليطة « 3 » ؟ كلَّا واللَّه ، لا عجماء بحمد اللَّه إلا وقد أفصحت ، ولا شوكاء إلَّا وقد تفتّحت ؛ ومن أعجب شأنك قولك : لولا سالف عهد ، وسابق عقد ، لشفيت غيظي ، وهل ترك الدّين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو لسان ؟ تلك جاهليّة قد استأصل اللَّه شأفتها ، واقتلع جرثومتها ؛ وهوّر « 4 » ليلها ، وغوّر سيلها ؛ وأبدل منها الرّوح والرّيحان ، والهدى والبرهان ؛ وزعمت أنك ملجم ، ولعمرى إنّ من اتقى اللَّه ، وآثر رضاه ، وطلب ما عنده ، أمسك لسانه ، وأطبق فاه ، وجعل سعيه لما وراه . فقال علىّ رضى اللَّه عنه : مهلا مهلا يا أبا حفص ، واللَّه ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه ، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حولا عنه ؛ وإن أخسر الناس صفقة عند اللَّه من آثر النفاق ، واحتضن الشّقاق ؛ وفى اللَّه سلوة عن كل حادث ، وعليه التوكَّل في كلّ الحوادث ؛ ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب ، مبرود الغليل ، فسيح اللَّبان « 5 » ، فصيح اللسان . فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشدّ الأزر ، ويحط الوزر ، ويضع الإصر ، ويجمع الألفة بمشيئة اللَّه وتوفيقه . قال أبو عبيدة رضى اللَّه عنه : فانصرف علىّ وعمر رضى اللَّه عنهما ، وهذا أصعب ما مرّ علىّ بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
--> « 1 » يتوكف : ينتظر ، ويقال : فلان يتوكف الأخبار ، نحو يستقطر الأخبار . « 2 » الأنشوطة : عقدة تحل إذا جذب أحد طرفيها . « 3 » الليطة : واحد الليط ، وهو قشر القصب . « 4 » هور : أذهب . « 5 » اللبان : الصدر .